السيد محمد تقي المدرسي
394
من هدى القرآن
أجد من المفسرين من قال ذلك . وقد اعتمد الفقه الإسلامي هذه البصيرة القرآنية في تحديد بعض التشريعات والتكاليف ، بإيكال تشخيص موضوعها وحكمها إلى الإنسان نفسه من دون حاجة إلى مراجعة الفقيه أو المختص ، قال زرارة : سألت أبا عبد الله ( الإمام الصادق عليه السلام ) : ما حد المرض الذي يفطر صاحبه ؟ قال : بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُطِيقُ ] « 1 » ، وفي رواية أخرى : هُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ ذَاكَ إِلَيْه ] « 2 » ، وقد ذهب بعض الفقهاء في فهمه لهذه إلى حد القول : إن كلام المختص ليس حجة ملزمة دائما ، فلو أمره بالصيام على أساس أن المرض لا يضره ولكنه ارتأى الضرر فله الحق في مخالفته ، والعكس كذلك صحيح . [ 19 - 16 ] لكي تتبلور نظرة الإنسان إلى نفسه ، وتتميز في وعيه حوافز الخير والصلاح عن شهوات الشر والفساد ، لا بد أن يعي الآخرة وأهوالها ، وينتبه إلى نفسه اللوامة ، ويستضئ بالقرآن الذي هو حجة ظاهرة فيما العقل حجة باطنة ، وهما يلتقيان في الحق وفي إعطاء الإنسان مقياسا سليما فيه . من هنا ينعطف السياق إلى الحديث عن تبليغ الرسالة داعيا النبي صلى الله عليه وآله إلى عدم الاستعجال بالقرآن . وقد تحيَّر المفسرون في العلاقة بين الآيات : ( 19 - 16 ) وبين السياق العام للسورة ، حتى قاد الجهل بعضهم إلى آراء بعيدة كل البعد عن حقيقة الرسالة ، فزعم أن القرآن تعرَّض إلى التغيير عن مواضعه ، إذ لا ينبغي أن ترد الآيات المذكورة في مثل سورة القيامة ، وقال آخرون : إن الحديث هنا ليس عن القرآن وإنما هو عن كتاب الإنسان الذي يلقاه يوم القيامة منشورا ، . . . فقال القفال : وإن قوله : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ » ليس خطابا مع الرسول صلى الله عليه وآله بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله : « يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ » فكان ذلك للإنسان حَالمَا يُنَبَّأ بقبائح أفعاله ، وذلك بأن يعرض عليه كتابه ، فيقال له : « اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً » [ الإسراء : 14 ] فإذا أخذ في القرآن تلجلج لسانه من شدة الخوف ، وسرعة القراءة فيقال له : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ » فإنه يجب علينا بحكم الوعد وبحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك ، ونقرأها عليك ، فإذا قرأناه عليك « فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ » بالإقرار بأنك فعلت تلك الأفعال ] « 3 » . ومثل ذلك قال العلامة البلخي ونص كلامه : وإنما أراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة ، يدل على ذلك ما قبله وما بعده ، وليس منه شيء يدل على أنه القرآن ، ولا شيء من أحكام الدنيا ] « 4 » .
--> ( 1 ) بحار الأنوار ج 93 ، ص 326 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 326 . ( 3 ) التفسير الكبير : ج 30 ص 223 . ( 4 ) مجمع البيان : ج 10 ص 504 .